INSIGHTS

الدفع بالحصانة الدبلوماسية في تنفيذ الالتزامات الناشئة عن عقد إيجار مقر السفارة في ضوء الحكم الصادر من محكمة التمييز القطرية في الطعن رقم 214 لسنة 2020 تمييز مدني الصادر بجلسة 18/2/2020

Aug 26, 2020

كتابة:
أشرف الفيشاوي، شريك
أحمد حسن، محام أول بمكتب الفيشاوي والشاذلي للمحاماة والتحكيم والاستشارات القانونية

أرست الدائرة المدنية بمحكمة التمييز من خلال حكمها الصادر بجلسة 18 فبراير 2020 في الطعن رقم 214 لسنة 2019 تمييز مدني، مبدئاً هاماً في خصوص صفة السفارة في الخصومة القضائية، وتمسكها بالحصانة الدبلوماسية لعدم خضوعها لقضاء الدولة المُضيفة في التصرفات التي تبرمها بتلك الدولة.

حيث انتهت المحكمة إلى توافر الصفة للسفارة في الخصومة القضائية، وخضوعها للقضاء الوطني بالدولة المُضيفة فيما تبرمه من تصرفات تنازلت فيها عن حصانتها من خلال قبولها لاختصاص هذا القضاء في العقد الذي تبرمه بالدولة المضيفة.

وقد بنت المحكمة هذا المبدأ على ما قررته بأن اعتماد الدولة للسفارة لتمثيلها الدبلوماسي في دولة ما، يعتبر بمثابة اعتراف لها بالشخصية المعنوية التي تعطيها الحق في ابرام التصرفات، وأن تعبير المبعوث الدبلوماسي لإرادته في التعاقد، يعتبر بمثابة تعبير عن إرادة دولته، ورفع السفارة للدعاوى أو رفعها ضدها بخصوص هذه التصرفات تعتبر مرفوعة من وعلى ذي صفة.

وأن الحصانة الدبلوماسية تحول دون خضوع البعثة الدبلوماسية وأعضائها للقضاء الوطني في الدولة المُضيفة فيما تشمله تلك الحصانة، وإذا تنازل المبعوث عن تلك الحصانة صراحة دون لبس أو إبهام فإنه يتعين الاعتداد بهذا التنازل بالنسبة للتصرف الذي تم بشأنه، متى تم التنازل في تاريخ لاحق على تمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة الدبلوماسية بعد اعتماده في الدولة الموفد إليها.
وأنه تطبيقاً لذلك يعتد بالتنازل عن الحصانة والخضوع لاختصاص محاكم تغاير محاكم دولة المبعوث إذا ورد الاتفاق صراحة بالتعاقد الذي يبرمه على اختصاص محاكم الدولة المضيفة أو غيرها بنظر النزاع الناشئ عن هذا التعاقد.

وأنه لما كان العقد سند الدعوى محل الدفع بالحصانة الدبلوماسية، عبارة عن عقد إيجار لمقر السفارة، وورد في أحد بنوده اتفاق طرفيه وأحدهما السفارة على اختصاص القضاء القطري بنظر أي نزاع ناشئ عن هذا العقد، فإن ذلك يعتبر بمثابة تنازل صريح عن الحصانة الدبلوماسية، يتم الاعتداد به، ولا يجوز معه التمسك بها في أي نزاع بخصوص هذا العقد.
كما قررت المحكمة بأن تمثيل الدولة في التقاضي هو نوع من النيابة القانونية عنها، والمراد في تعيين مداها وحدودها يكون بالرجوع إلى مصدرها، وهو ما يدل على أن الأصل أن نطاق الحصانة القضائية للبعثة الدبلوماسية لا يقتصر على القضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها فحسب، بل يمتد كذلك ليشمل القضاء المدني والإداري لتلك الدولة بالنسبة لسائر الأعمال والتصرفات التي تصدر منه خارج هذا الإطار أو بصفته الشخصية.
وقد استند القضاء المتقدم إلى نص المادة 53 من القانون المدني الذي ينص على أن: (” الأشخاص المعنوية هي 1- الدولة، ووحداتها الإدارية التي يمنحها القانون شخصية معنوية، والبلديات..، وكل مجموعة من الأشخاص أو الأموال يمنحها القانون شخصية معنوية”).

كما استند إلى نص المادة 3 من اتفاقية فيينا بشأن العلاقات الدبلوماسية لسنة 1961- التي وافقت قطر على الانضمام إليها مع بعض التحفظات بموجب القانون 17 لسنة 1971- والتي تنص على أنه: (“1- تتألف أهم وظائف البعثة الدبلوماسية مما يلي: أ- تمثيل الدولة المعتمدة في الدولة المعتمد لديها. ب- حماية مصالح الدولة المعتمدة ومصالح رعاياها في الدولة المعتمد لديها، ضمن الحدود التي يقرها القانون الدولي…””).

كما استند إلى نص المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية المعتمدة بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 59/ 38 المؤرخ 2 ديسمبر 2004، الذي يقرر بأنه: (“1- لا يجوز لدولة أن تحتج بالحصانة من الولاية القضائية في دعوى مقامة أمام محكمة دولة أخرى في ما يتعلق بأي مسألة أو قضية إذا كانت قد وافقت صراحة على أن تمارس المحكمة ولايتها فيما يتعلق بتلك المسألة أو القضية، إما: (أ) باتفاق دولي، (ب) أو في عقد مكتوب ..)

ويتفق القضاء المتقدم مع ما نصت عليه المادة 25 من القانون المدني التي تقرر بأنه: (“1-يسري على حيازة العقار، وملكيته والحقوق العينية التي تترتب عليه وطرق كسب هذه الحقوق وانتقالها وانقضائها، قانون موقع العقار. 2-ويحدد قانون الدولة التي يوجد بها المال ما إذا كان هذا المال عقاراً أو منقولاً”).
وكذلك يتفق مع ما نصت عليه المادة 32 من ذات القانون التي تقرر بأنه: (“تطبق محاكم قطر في العلاقات القانونية ذات العنصر الأجنبي، قواعد الاختصاص وجميع المسائل الخاصة بالإجراءات التي يقررها القانون القطري.”)

كما يعد القضاء المتقدم تكريساً لما نصت عليه المادة 38 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي عقدت في فيينا بتاريخ 18 إبريل عام 1961، والتي أصبحت جزءا من التشريع القانوني القطري بموجب المرسوم رقم 51 لسنة 1986 بالموافقة على انضمام دولة قطر إلى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961م على أنه:
(” 1-لا يتمتع المبعوث الدبلوماسي الذي يكون من مواطني الدولة المعتمد لديها أو المقيمين فيها إقامة دائمة، إلا بالحصانة القضائية وبالحرمة الشخصية بالنسبة للأعمال الرسمية التي يقوم بها بمناسبة ممارسة وظائفه وذلك ما لم تمنحه الدولة المعتمد لديها امتيازات وحصانات إضافية.
2-لا يتمتع موظفو البعثة الآخرون والخدم الخاضعون الذين يكونون من مواطني الدولة المعتمد لديها أو المقيمين فيها إقامة دائمة بالامتيازات والحصانات إلا بقدر ما تسمح به الدولة المذكورة ويجب على هذه الدولة مع ذلك أن تتحرى في ممارسة ولايتها بالنسبة الى هؤلاء الاشخاص عدم التدخل في أداء وظائف البعثة.”)

كما يتفق القضاء المتقدم مع الفقه القانوني والذي أكد على أن: (“الحصانة الدبلوماسية المدنية مقيدة أي بمعنى ان المبعوث يتمتع بالحصانة القضائية المدنية فقط بالنسبة للأعمال التي يزاولها بصفة رسمية أما غيرها من الأعمال كالأعمال التجارية أو تملك عقارات. أو غيرها فإنها تخضع لاختصاص محاكم الدولة المستقلة، ولقد أخذت بذلك الحكومة الفرنسية في عام 1771 ومحكمة السين الفرنسية في عام 1927 والمحكمة التجارية في باريس عام 1968 ومحكمة النقض الايطالية في قراريها الصادرين في عامي 1915 و1921 ومحكمة الامور المستعجلة في مصر عام 1961، وكذلك ذهبت إلى هذا الاتجاه محكمة استئناف بروكسل في قرارها الصادر في 1962 وكذلك مجلس الدولة المصري في الفتوى التي اصدرها في عام 1949 والتي أوجب فيها خضوع المبعوث الدبلوماسي فيما لا يتصل بصفته الرسمية “)* .
كما رسخ القضاء المتقدم لمبدأ مفاده أن: (“الشارع قد عالج حالة الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على الإيجار وقيام المؤجر بتنفيذ التزاماته كاملة بجعل العين صالحة للانتفاع فيما أجّرت لأجله، بيد أن المستأجر إذا رغب في العدول عن إيجار العين منذ بدايته أو بعد فترة قصيرة من إيجارها أو لم ينتفع إلا بجزء منها أو بأي صورة من الصور تجعل انتفاعه الفعلي لها لا يقابل ما هو ملزم به من أجرة لأسباب لا تتعلق بالمؤجر أو بالعين المؤجرة، وإنما تتعلق بالمستأجر ذاته سواء لخطأ منه أو لظروف شخصية حالت دون انتفاعه بها الانتفاع المأمول من إيجاره لها، ففي هذه الحالات التزم المستأجر بكامل الأجرة عن مدة العقد المتفق عليها، وكذا أي التزامات أخرى متفق عليها بعقد الايجار وتقع على عاتقه، وذلك كله ما لم يكن المؤجر قد ارتدت إليه منفعة من عدول المستأجر عن الايجار، فلم يقم بتجهيز بعض المتطلبات المتفق عليها بالعين نتيجة لهذا العدول، أو كان قد استفاد أو انتفع بالعين بأي صورة من الصور كأن يقيم بها أو يؤجرها لآخرين، فيلتزم المؤجر في هذه الحالة بخصم قيمة هذا النفع أو الفائدة من الأجرة المستحقة على المستأجر، فإن لم يتفق الطرفان رضاءً، فإن على القاضي الموازنة بين مصلحة الطرفين، فيطبق بنود العقد وفقا لاتفاقهما مع الوضع في الاعتبار خطأ المستأجر في العدول عن الأجرة وتنفيذ التزامه المنوط به وفقاً للعقد من دفع للأجرة وغيرها من الالتزامات، وما لحق المؤجر من ضرر نتيجة لهذا العدول مأخوذا في الاعتبار ما قد يكون ارتد عليه من نفع أو فائدة نتيجة استلامه للعين مرة أخرى، ويقع عبء اثبات هذا النفع أو تلك الفائدة على المستأجر. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه على ما استخلصه من أوراق الدعوى ومستنداتها وتقرير الخبير، أن سبب إخلاء العين يعود لظروف خاصة تتعلق برئيس البعثة وعدم تمكنه من الإقامة بالعين أثناء قيام المؤجر بأعمال الصيانة التي طلبتها الطاعنة، ولم يكن هذا الإخلاء بصفة مؤقتة لحين اتمام أعمال الصيانة، وإنما أفصحت المكاتبات المتبادلة بين الطرفين تسليم العين بصفة نهائية للمؤجر بما يكشف عن فسخ الطاعنة للعقد بإرادتها المنفردة، وهو ما دعا المؤجر لعدم استكمال الصيانة، فتضحى الطاعنة ملزمة بالأجرة عن باقي مدة العقد المتفق عليها، لا سيما أنها لم تدع بأن منفعة قد ارتدت للمؤجر من ترك العين المؤجرة، وكان هذا الاستخلاص سائغاً وله أصله الثابت في الأوراق وكافيا لحمل قضائه، فإن النعي بباقي أسباب الطعن لا يعدو إلا أن يكون جدلا موضوعياً فيما لمحكمة الموضوع من سلطة في تقديره، لا يجوز التحدي به أمام محكمة التمييز، ومن ثم غير مقبول.”)

وهذا القضاء يستند إلى ما نصت عليه المادة 171/1 من القانون المدني من أن: (“العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون.”)
وكذلك ما نصت عليه المادة 183/1 من القانون المدني من أنه: (“في العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه، جاز للمتعاقد الآخر بعد إعذاره أن يطلب فسخ العقد مع التعويض إن كان له مقتض.”) ويعد المبدأ المتقدم مكملاً لما استقرت عليه أحكام محكمة التمييز من: (“أنه لما كانت قاعدة الفسخ الواردة بنص المادة 183 من القانون المدني غير آمرة تسري على العقود الملزمة للجانبين، ومقتضاها وجوب الالتجاء للقضاء لاستصدار حكم بفسخ العقد جزاء إخلال الطرف الآخر بالتزاماته”)**

وخلاصة المبدأ الجديد الذي قررته محكمة التمييز في القضاء محل التعليق يتمثل في النقاط الآتية:
(1) أن تمثيل الدولة في التقاضي هو نوع من النيابة القانونية عنها، والمراد في تعيين مداها وحدودها يكون بالرجوع إلى مصدرها، سواء أكان مصدر تلك النيابة قرار صادر من الدولة الممثلة دبلوماسيا بالدولة المضيفة أو يكون مجرد عقد مبرم بين الممثل الدبلوماسي مع آخرين بالدولة المُضيفة.
(2) أن نطاق الحصانة القضائية للبعثة الدبلوماسية لا يقتصر على القضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها فحسب، بل يمتد كذلك ليشمل القضاء المدني والإداري لتلك الدولة بالنسبة للأعمال المتعلقة بالتمثيل الدبلوماسي فحسب، فالحصانة الدبلوماسية ومنها الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي مقررة ابتداء لصالح دولته لا لصالحه الشخصي.
(3) أن تنازل المبعوث الدبلوماسي عن الحصانة الدبلوماسية صراحة دون لبس أو إبهام، يتم الاعتداد بهذا التنازل بالنسبة للتصرف الذي تم بشأنه.
(4) أن من الصور الخاصة بالتنازل الصريح عن الحصانة الاتفاق كتابة في عقد على خضوع النزاعات التي قد تثار بشأن هذا العقد لاختصاص محاكم معينة تغاير دولة الدبلوماسي، مما مؤداه امتداد ولاية محاكم هذه الدولة للفصل في الدعاوى المتعلقة بهذا العقد، ومنها عقود الإيجار التي يبرمها الدبلوماسي والتي تخضع لولاية قضاء الدولة المضيفة.
(5) أن المستأجر إذا رغب في العدول عن إيجار العين لأسباب تتعلق به، سواء لخطأ منه أو لظروف شخصية حالت دون انتفاعه بها الانتفاع المأمول من إيجاره لها، ففي هذه الحالات التزم المستأجر بكامل الأجرة عن مدة العقد المتفق عليها.
(6) إذا ارتدت على المؤجر منفعة من عدول المستأجر عن الايجار أو كان قد استفاد أو انتفع بالعين بأي صورة من الصور كأن يقيم بها أو يؤجرها لآخرين، فيلتزم المؤجر في هذه الحالة بخصم قيمة هذا النفع أو الفائدة من الأجرة المستحقة على المستأجر.
(7) أنه يقع عبء اثبات هذا النفع أو تلك الفائدة على المستأجر.

* د. سهيل الفتلاوي، القانون الدبلوماسي، الطبعة الاولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2010، ص 265 وما بعدها
** محكمة التمييز -جلسة 28 فبراير سنة 2012 -الطعن رقم 219 لسنة 2011 تمييز مدني

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2019 Sultan Al-Abdulla & Partners