INSIGHTS

تعليق على قرار محافظ مصرف قطر المركزي رقم 99 لسنة 2020 بسحب أوراق نقدية من التداول

February 24, 2021

تنفيذاً لنص المادة 54 من قانون مصرف قطر المركزي وتنظيم المؤسسات المالية، أصدر محافظ المصرف بتاريخ 27/12/2020 القرار رقم 99 لسنة 2020، والذي تم نشره بالعدد رقم 1 لسنة 61 من الجريدة الرسمية بتاريخ 1/2/2021.

وقد نصت المادة الأولى من القرار على سحب جميع الأوراق النقدية من الإصدار الرابع للعملة القطرية اعتباراً من 18/12/2020. كما نصت المادة الثانية على أن يتم استبدال الأوراق النقدية من الإصدار الرابع بأوراق نقدية بذات القيمة، وذلك خلال مدة لا تتجاوز الأول من شهر يوليو 2021. فإذا لم تستبدل الأوراق النقدية سالفة البيان فأنها وفقاً لنص المادة الثالثة تفقد قوتها كأداة وفاء وإبراء، ويحظر التعامل بها. ويجوز لحاملها الحصول على قيمتها الأسمية من مصرف قطر المركزي خلال مدة عشر سنوات من تاريخ القرار.

والتعليق على هذا القرار يقتضي بداية إلقاء الضوء على ماهية النقود الورقية ووظائفها وتطورها، ودور البنك أو المصرف المركزي، وأثر سحبها واستبدالها، وأثر عدم الاستبدال في الميعاد المحدد، ومدى موافقة قرار محافظ مصرف قطر المركزي لأحكام القانون المدني.

أولاً: ماهية النقود ووظائفها
ظهرت النقود من الناحية التاريخية بعد فشل نظام المقايضة في مواكبة التوسع في المبادلات الاقتصادية. ويقصد بالنقود هنا الأداة التي تستخدم كوسيط في التبادل الاقتصادي للسلع والخدمات، بمعنى أنه في إمكان من يبيع سلعة أو خدمة ويأخذ في مقابلها نقوداً أن يستخدم هذه النقود في شراء ما يريد من سلع أو خدمات أخرى حسب حاجته، مما يتحقق معه تسهيل المعاملات وتقسيم العمل. كما تستخدم النقود كأداة للتعبير عن قيمة مختلف السلع والخدمات، بحيث أن كل سلعة أو خدمة تقاس عن طريق ما يعادلها من وحدات نقدية.

كذلك فإن النقود تستخدم كأداة للوفاء بالدّين من المدين للدائن. ويترتب على هذا الوفاء براءة ذمة المدين من الدين في حدود القيمة الاسمية للوحدة النقدية. فإبراء ذمة المدين هو نتيجة لتنفيذ الالتزام عن طريق الوفاء. كما أن النقود تسهل الوفاء بالالتزامات النقدية في المستقبل مثل أداء المعاشات والأجور. وأخيراً تستخدم النقود كمخزن للقيمة والاحتفاظ بالقيم لاستخدامها في المستقبل كنوع من الادخار.

ثانياً: تطور النقود وظهور النقود الورقية
في بداية ظهور النقود كانت في شكل سلعة شائعة الاستعمال تناسب ظروف الجماعة مثل استخدام جلود الحيوانات في بعض المجتمعات، والقمح أو الأرز في مجتمعات أخرى. وبعد تطور المجتمعات الإنسانية أصبحت النقود في شكل معادن سواء أكانت نفيسة مثل الذهب والفضة أو غير نفيسة مثل النحاس والبرونز، وسميت بالنقود المعدنية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن النقود المعدنية نوعان، أولهما نقود معدنية كاملة تتعادل فيها قيمتها الذاتية، أي قيمة المعدن المستخدم فيها مع قيمتها الأسمية. وقد انطبق ذلك على النقود الذهبية والنقود الفضية، أما النوع الثاني، فهو نقود معدنية غير كاملة، وهي التي تكون قيمتها الإسمية أكبر من قيمة المعدن الذي تحتويه.

وتميزت المعادن النفيسة مثل الذهب والفضة بخصائص جعلتها قادرة على أداء دور النقود. وقد اتخذت عند بداية استخدامها كنقود شكل سبائك تختلف كل سبيكة عن الأخرى من حيث وزنها ودرجة نقاء معدنها، ولذلك كان يتعين وزن السبيكة المصرفية كثمن وتحديد درجة نقائها قبل إتمام عملية التبادل.

إلا أن هذا الأمر قد شهد تطوراً، حيث تدخلت سلطة الدولة وقامت بتحديد وزن ودرجة نقاء سبيكة الذهب أو الفضة وإظهار ذلك عليها. ثم تولت السلطات العليا في الدول سك قطع متساوية ومتماثله تماماً في وزنها ودرجة نقائها مع إظهار ذلك على كل قطعة. وقد تم تفضيل النقود الذهبية على ما سواها، واحتكرت الدولة عملية سك النقود باعتبارها من مظاهر السيادة التي لا يمكن التنازل عنها للأفراد العاديين، وصدرت القوانين التي تحكم ضرب العملة وتحدد كمية ما تحتويه من معدن ودرجة نقائه.

وقد أدى تداول المسكوكات الذهبية من يد إلى أخرى كوسيط في التعامل إلى تآكل أجزاء منها في بعض الأحيان، وهذا ما استتبع نقصاً في قيمة المعدن الذي تحتويه مما تسبب في رفض قبول القطعة ناقصة الوزن في التعامل، وهو ما دفع الأفراد إلى إيداع السبائك لدى الصيارفة والصاغة بغية الحفاظ على قيمة ما يملكونه من عملات، وذلك في مقابل صكوك تثبت هذا الإيداع، وتعهد من المودع لديه برد القطع الذهبية لمن يقدم له هذا الصك.

وبمرور الوقت تعود الأفراد على استخدام هذه الصكوك الورقية كبديل عن استخدام النقود الذهبية وشاع استخدامها لدرجة اعتبار هذه الصكوك نقوداً ورقية أو أوراق نقدية، وأصبحت هذه الصكوك تقوم بدور النقود مع حق من يحملها في أن يقدمها للبنك ويسترد قيمتها الذهبية. إلا أنه بحلول القرن التاسع عشر حلت البنوك أو المصارف محل الصاغة والصيارفة، وأصبحت جميع البنوك تصدر النقود الورقية القابلة للتحويل. وكان قبول الأفراد لهذا النوع من النقود يرجع إلى ثقتهم في قدرة البنك الذي أصدرها على دفع قيمتها في شكل ذهب عن طلب ذلك من حامل الورقة النقدية.

وقد استمر العمل بالنقود الورقية القابلة للتحويل إلى ذهب استناداً إلى قبول العموم من أفراد المجتمع بذلك، دون وجود قانون يعرض القيمة الأسمية أو السعر القانوني للورقة حتى الحرب العالمية الأولى، فكانت النقود الورقية متداولة إلى جانب العملات الذهبية.

ولكن نتيجة لتقدم النظم المصرفية وظهور البنوك المصدرة للنقود الورقية وتوافر ثقة الأفراد فيها، بجانب قلة الأفراد الحاملين للنقود الورقة الطالبين لتحويلها، رأت البنوك أن بإمكانها إصدار أوراق نقدية تزيد عن قيمة ما لديها من ذهب دون تعريض مركزها للخطر. ومن ثم أصدرت أوراقاً نقدية يغطى جزء منها فقط بالذهب في حدود 10%، ولم تعد النقود الورقية مجرد بديل عن الذهب المودع لدى البنوك.

ومن أجل تجنيب المجتمع خطر التضخم الناتج عن زيادة إصدار النقود الورقية غير القابلة للتحويل تدخلت الدولة، وجعلت إصدار النقود الورقية حقاً مقصوراً على البنك أو المصرف المركزي بها. ومن ثم بدأت مرحلة إصدار نقود ورقية غير قابلة للتحويل وغير مغطاة بالذهب منذ ثلاثينات القرن العشرين.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه النقود، وهي المعمول بها في الوقت الحاضر، هي مجرد أوراق نقدية تدخلت الدولة وأعلنت عدم قابليتها للتحويل، أي أعفت البنك المركزي الذي أصدرها من الالتزام بقبول تحويلها إلى ذهب، إذ أن الدولة فرضت سعراً إلزامياً للنقود الورقية، وأصبحت هذه الأوراق النقدية تتمتع بصفتي القانونية والنهائية، وفقدت كل صلة لها بالمعدن النفيس الذي كان سبباً في وجودها، وانقطعت الصلة بين كمية النقود الورقية المصدرة وبين كمية الذهب الموجودة لدى الجهاز النقدي في الدولة.

ثالثاً: النظام النقدي للدولة ودور البنك أو المصرف المركزي
يقصد بالنظام النقدي للدولة النقود بأنواعها المختلفة التي تستخدم داخل الدولة، بالإضافة إلى مجموعة المؤسسات صاحبة السلطة والمسئولة عن إصدار النقود والإضافة إليها أو السحب منها، بجانب مجموعة القوانين واللوائح والإجراءات التي تحكم كمية النقود وتحدد حجم الإضافة والسحب في أي وقت.
وفي كل النظم النقدية الحديثة أصبح المصرف المركزي في الدولة هو وحده الذي ينفرد بحق إصدار النقود وتنظيم تداولها، وذلك رغبة من الدولة في إسباغ الوحدة والتماثل في نظام النقود الورقية في الدولة وإعطائها أكبر قدر من الثقة لقرب المصرف المركزي من الحكومة باعتباره هيئة عامة.

وفي دولة قطر أناطت الدولة بمصرف قطر المركزي سحب واستبدال العملة النقدية، وقد بين القانون رقم 13 لسنة 2012 دور المصرف المركزي في هذا الشأن في المواد من 51 وحتى 55.

رابعاً: آثار سحب النقود الورقية بقرار محافظ مصرف قطر المركزي
وفق المادة 7 من قانون مصرف قطر المركزي، تعد الوظيفة الأولى للمصرف هي إصدار النقد وتنظيم تداوله، وهذا ما رتب كون النقد الصادر عن المصرف أداة وفاء وإبراء لدفع أي مبلغ في الدولة على ألا يتجاوز هذا المبلغ القيمة الأسمية للنقد (مادة 51)، علماً بأن المصرف المركزي يحدد فئات وأشكال وتصاميم الأوراق والمسكوكات النقدية ويعتمدها سمو الأمير وتحمل الأوراق النقدية توقيعي وزير المالية والمحافظ (مادة 52).
ومفاد ذلك أن النقود تعد أداة وفاء وإبراء لدفع أي مبلغٍ في الدولة باعتبارها أداة للمدفوعات بمعنى الوفاء بالالتزامات النقدية، سواء كانت في صورة دين شخصي أو في صورة التزامات على الدولة كسداد المعاشات والرواتب وغيرها. فالوفاء هو أداء الالتزام بصورة اختيارية أياً كانت صورة هذا الالتزام طالما كان محله مبلغاً من النقود. فإذا كان محل الالتزام مبلغاً من النقود، التزم المدين بالوفاء بقدر عدد النقود محل الالتزام دون أن يكون لارتفاع قيمة النقود أو انخفاضها وقت الوفاء أي أثر، وعلى ألا يتجاوز هذا المبلغ القيمة الاسمية للنقد. وإذا كان الأصل في الإنسان البراءة، أي براءة ذمته المالية من الديون ما لم يصبح مديناً للغير بدّين معين، فإذا قام بالوفاء بهذا الدّين، فإنه يترتب على ذلك إبراء ذمة المدين، بمعنى أن الإبراء هو أثر أو نتيجة للوفاء.

ومما هو جدير بالإشارة هنا أنه بمجرد إصدار النقود فإنها تؤدى هذه الوظيفة والوظائف الأخرى باعتبارها وسيطاً في التعامل ومخزناً للقيم وأداة للتعبير عن قيمة السلع والخدمات. وإذا كان المصرف المركزي هو الوحيد الذي يصدر النقود ويحدد سعرها الإلزامي في التعامل، فإن له أيضا الحق في سحب هذه النقود من التعامل ومن ثم تجريدها من قوتها القانونية ومنع استخدامها كأداة وفاء أو وسيط في تبادل السلع والخدمات. وتطبيقاً لذلك صدر القرار 99 لسنة 2020 من محافظ مصرف قطر المركزي تنفيذاً لنصوص القانون رقم 13 لسنة 2012.

وإيماناً بأهمية وظيفة النقود وأثرها على المجتمع، وحتى لا يؤدي السحب الفوري للعملة من الاستخدام مفاجأة للمتعاملين بها، حدد القرار مهله زمنية قبل فقد العملة التي سحبها قوتها القانونية، بحيث أنه في خلال هذه المهلة يجوز استخدام العملة التي صدر القرار بسحبها للوفاء بالتزامات المتعاملين بها. كما يكون للمتعاملين بها استبدالها من المصرف المركزي أو من البنوك والجهات التي يحددها. وقد حدد قرار المحافظ هذه المهلة بأول يونيو 2021، بحيث إذا انقضت هذه المهلة أي اعتباراً من اليوم الثاني من شهر يونيو، تفقد الأوراق المسحوبة قوتها القانونية وسعرها الإلزامي ولا يجوز استخدامها للوفاء وبالتالي لا يتحقق بالوفاء بها إبراء الذمة، ويحظر على الناس التعامل بها كوسيط في التبادل، ولكن يحق لحامل العملة الورقية المسحوبة الحصول على قيمتها الأسمية من المصرف المركزي خلال عشر سنين من تاريخ إصدار قرار السحب، حسب المادة 55 من قانون مصرف قطر المركزي والمادة الثالثة من قرار محافظ مصرف قطر المركزي.

ومما سبق كله يتضح لنا أن قرار مصرف قطر المركزي رقم 99 لسنة 2020 جاء متسقاً مع أحكام القانون رقم 13 لسنة 2012 ويعد تنفيذاً له. كما أنه لا يوجد أي تعارض بين القرار المذكور وبين أحكام القانون المدني. فالقرار استخدم عبارة “الوفاء والإبراء” كوظيفة تفقدها النقود الورقية في حالة سحبها وانقضاء المهلة الزمنية، وهي ذات العبارة التي استخدمها القانون في حالة الإصدار كوظيفة للنقود وفي حالة السحب كوظيفة تفقدها الأوراق المسحوبة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإبراء المقصود هنا لا علاقة له بالإبراء المنصوص عليه بالقانون المدني كطريقة لانقضاء الالتزام دون وفاء. فالإبراء كوسيلة لانقضاء الالتزام هو تصرف تبرعي بالإرادة المنفردة للدائن بمقتضاه يتنازل عن دينه للمدين، ومن ثم يترتب عليه براءة ذمة المدين دون وفاء الدين.

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2019 Sultan Al-Abdulla & Partners