INSIGHTS

دستورية نص المادة 136 مكرر المضافة بالقانون رقم 2 لسنة 2020 لقانون العقوبات الصادر بالقانون رقم (11) لسنة 2004

January 27, 2021

إعداد و كتابة:
د.أحمد ديهوم
أ.أمنية جاد الله
أ.أحمد حسن

في ظل تنامي الأحداث السياسية العالمية والتهديدات التي تواجه الدول المعاصرة، والأخطار التي قد تنجم عن تفاعل البعض عند نقل الأخبار التي تمس الدولة وتتداولها بصورة قد تؤدي إلى إثارة الرأي العام وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء أكان نقل الأخبار بطريقة مغرضة تخلط بين الخبر والإشاعة أو بنقل الأخبار بطريقة عمدية تسيء إلى الدولة مما قد يؤدي إلى البلبلة في المجتمع وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة مما يتسبب بالضرورة في إحداث أضرار وتهديد المصالح الوطنية.
وحيث تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الحق في حرية الرأي والتعبير للأفراد والدول.
ومن ثم فإن الهدف الذي تسعى إليه الدول الديمقراطية هو الموازنة بين حماية المصالح الوطنية وبين الحفاظ على حق المواطن وحريته في إبداء الرأي والتعبير البناء تجاه مؤسسات الدولة التي ينتمي إليها.
وحيث تشهد قطر في السنوات الأخيرة طفرة في إطلاق وتوسيع دائرة الحريات ومنح مساحات إضافية للتعبير عن الرأي من خلال منصات التواصل الاجتماعي والنشر في الصحف الورقية والإلكترونية وكذلك من خلال القنوات الإعلامية المحلية والعالمية كقناة الجزيرة الإخبارية.
وفي هذا الإطار، أصدر المشرع القطري القانون رقم 2 لسنة 2020 بتعديل بعض مواد قانون العقوبات رقم (11) لسنة 2004، وحيث اشتمل هذا التعديل على إضافة نص مادة جديدة على النحو التالي:
مادة (١٣٦ مكررًا):
(“يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات وبالغرامة التي لا تزيد على (١٠٠.٠٠٠) مائة ألف ريال، أو بإحدى هاتَين العقوبتَين، كلُّ من أذاع أو نشر أو أعاد نشر إشاعات أو بيانات أو أخبار كاذبة أو مغرضة أو دعاية مثيرة، في الداخل أو في الخارج، متى كان ذلك بقصد الإضرار بالمصالح الوطنية، أو إثارة الرأي العام أو المساس بالنظام الاجتماعي أو النظام العام للدولة.
وتضاعف العقوبة المنصوص عليها في الفقرة السابقة، إذا وقعت الجريمة في زمن الحرب”).

ونرى أن هذا التعديل قد جاء متفقاً مع سياسة الدولة ورؤيتها المستقبلية، ومراعياً للعهود والمواثيق الدولية المنضمة إليها الدولة والتي تدعو إلى حرية التعبير عن الرأي، ومتسقاً مع نصوص وأحكام الدستور القطري.
فقد انضمت دولة قطر إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 كانون/ديسمبر1966 وكان تاريخ بدء نفاذه: 23 آذار/مارس 1976، وقد انضمت إليه دولة قطر بموجب المرسوم رقم (40) لسنة 2018 بالموافقة على انضمام دولة قطر إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .

وقد نصت المادة 19 من ذلك العهد الدولي على:
(“1- لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2- لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
أ- لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،
ب- لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.”)
كما حرص دستور البلاد الدائم على التأكيد على ضمان الحقوق والحريات للمواطنين وتجسيد للمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وذلك في أكثر من موضع، على النحو التالي:
فقد نصت ديباجة الدستور على أنه:
(“تحقيقاً لأهدافنا في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي لوطننا العزيز، بإقرار دستور دائم للبلاد، يرسي الدعائم الأساسية للمجتمع، ويجسد المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، ويضمن الحقوق والحريات لأبناء هذا الوطن المعطاء..”)

ونصت المادة (6) من الدستور على أن:
(“تحترم الدولة المواثيق والعهود الدولية، وتعمل على تنفيذ كافة الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية التي تكون طرفاً فيها.”)

كما نصت المادة (18) من الدستور على أن:
(“يقوم المجتمع القطري على دعامات العدل، والإحسان، والحرية، والمساواة، ومكارم الأخلاق.”) ونصت المادة (47) من الدستور على أن:
(“حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، وفقاً للشروط والأحوال التي يحددها القانون.”)

ونصت المادة (48) من الدستور على أن:
(“حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة، وفقاً للقانون.”)

ومفاد ما سبق إن إقرار حرية الرأي والتعبير في الدساتير أمر لابد منه، حيث أصبحت ديمقراطية الدول اليوم تقاس بمدى تمتع أفرادها بحرية الحديث والتعبير، وأن الاعتراف بهذه الحرية بمختلف وسائل التعبير عنها لا تتعارض مع نظام الحكم الذي تقوم عليه الدولة.
والاعتراف من قبل السلطة بهذه الحرية لا يهددها ولا يقلل من هيبتها، كما أن الفرد باستطاعته أن يمارس هذه الحرية دون أن يكون خطراً على سلامة الدولة، طالما لم يتجاوز حدود تلك الحرية إلى الإضرار بالمصالح الوطنية.
فهناك دائما ضابط بين حدود حرية التعبير و”تجريم” الحديث علانية بالإساءة إلى الدولة وتكدير الشأن العام أو انتقاد مؤسسات الدولة وانتقاد القائمين على تلك المؤسسات بصورة مسيئة، وهذا ما أشارت إليه المعاهدات الدولية، حيث نصت المادة 19 من ذلك العهد الدولي على:
(………
3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
أ- لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،
2- لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.”).
وهذا ما اتبعه المشرع القطري، حيث وضع ضوابط لممارسة الأفراد لحقهم في حرية التعبير والرأي، فجرم ممارسة هذه الحريات بصورة تضر بالأمن القومي للبلاد، وهذا ما يمكن القول معه أن المشرع قد وفق في صياغته وتحديده لضوابط الممارسة بين حريات الأشخاص وما تواجهه الدول من محاولات لهدم استقرارها تذرعا بممارسة الحقوق والحريات العامة.
ومما لا شك فيه أن الحقوق والحريات العامة تعد أهم مؤشرات درجة التطور الحقوقي والديمقراطي للأنظمة السياسية، من خلال تكريس ضمانات احترام الحريات الأساسية والالتزام بها، بمختلف أنواعها السياسية والمدنية والاقتصادية والثقافية والبيئية، فضلاً عن بلورة الدولة لقيم المواطنة، من خلال صون كرامة مواطنيها وضمان حرياتهم السياسية، ليس كإطار نظري مجرد، بل كحقيقة سياسية ومجتمعية راسخة وثابتة.
واستناداً للاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني التي انضمت إليها قطر، جعل الوعي بالسياسة الحقوقية، بمرجعياتها الوطنية والدولية والدستورية والتشريعية، مقياساً لمصداقية الدول في مجال النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها. ومن المؤكد أن مسيرة الإنسانية نحو تكريس الحقوق والحريات الأساسية على مستوى الاتفاقية الدولية لن تنتج ثمارها إلا بضمان اعتمادها وإدراجها في التشريعات الوطنية.

وهذ ما فطن إليه المشرع الدستوري القطري، فقام بالنص على حقوق الانسان والحريات العامة، مما انعكست اثاره بصورة ملحوظة في النظام السياسي لدولة قطر، حكومة ومجتمعاً، وذلك بصورة تتفق ورؤى الدولة ومكانتها ونصوصها التشريعية، وبشكل يرسخ مبدأ المواطنة وما يرتبط به من حقوق وواجبات.
ولعل دسترة الحقوق والحريات العامة بدولة قطر يترجم التحولات على مستوى مفهوم ودلالة التحول الديمقراطي، وذلك لترابط وتكامل كل من الديمقراطية وحقوق الانسان.

وقد استقر الفقه الجنائي الدستوري على:
(“إن المساس بالحقوق والحريات من خلال التجريم تحكمه اعتبارات الضرورة والتناسب التي يقوم في ضوئها التوازن بين هذا المساس وبين سائر القيم التي يحميها الدستور (سواءً تجلت في المصلحة العامة أو في حماية غيرها من الحقوق والحريات).
ووفقاً لمبدأ الشرعية الجنائية أن التشريع ينفرد بحسب الأصل في إقامة هذا التوازن، فما الكيفية التي يسلكها المشرع في إطار الضرورة والتناسب؟ نعم، يملك المشرع سلطة تقديرية في تحديد مسلكه، إلا أنه لا يملك أن يصل بممارسته لهذه السلطة إلى الحد الذي تفقد فيه الحقوق والحريات مضمونها وجوهرها”).

ولما كانت حرية التعبير تتضمن واجبات ومسؤوليات، أما الواجبات فعلى عاتق كل مواطن تقابلها مسئوليات على عاتق الدولة، فالمواطن له حق في حرية التعبير الهادف الذي يساعد الدولة على تطوير أداء مؤسساتها من خلال النصح والنقد البناء يقابله مسئولية الدولة في حماية هذه الحرية ووضع إطار لها وضوابط حتى لا تتحول إلى أداة لهدم الدولة. ولذا يجوز تقييد حرية التعبير بموجب القانون، حسب ما تقتضي الضرورة في مجتمع ديمقراطي، لصالح الأمن القومي وسلامة الأراضي وأمن الجماهير وحفظ النظام ومنع الجريمة وحماية الصحة والآداب واحترام حقوق الآخرين ومنع إفشاء الأسرار، أو لغرض تدعيم السلطة وضمان حياد القضاء، أو لغرض جميع هذه الأهداف مجتمعة.

ومن جماع ما تقدم نجح المشرع القطري إلى حدٍ بعيد في الموازنة بين الحفاظ على حرية الرأي والتعبير التي أقرها الدستور الدائم للبلاد، وبين الزجر والتهديد لكل من يستغل هذه الحرية في الإضرار بالمصالح الوطنية من خلال الشطط والتطرف في إبداء الآراء التي تثير البلبلة واهتزاز الثقة في القائمين على العمل العام.
كما جاءت صياغة المادة 136 مكرر بعيدة عن المصطلحات الفضفاضة، فجاءت في عبارة سهلة رشيقة لا تنحرف لتأويلات متعددة، فضلا عن الابتعاد عن المترادفات، وحسنا فعل المشرع بأن قرن الأخبار بصفتها الكاذبة حتى لا يثير بلبلة في تفسير ماهية الخبر بما يعني شموله أي خبر وكل خبر فكان توصيفه بالكذب تحديد وقصر على الأخبار الكاذبة فحسب وهو ما يحسب للمشرع.

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2019 Sultan Al-Abdulla & Partners