INSIGHTS

دور إعلان الدوحة في مواجهة وباء كورونا

March 28, 2021

كتابة: د. أحمد ديهوم، مستشار – مكتب الفيشاوي والشاذلي للمحاماة والتحكيم والاستشارات القانونية.

في أعقاب انتشار وباء كورونا، واعتباره جائحة وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، قامت العديد من الشركات العالمية بإجراء الأبحاث للتوصل إلى أمصال مضادة للفيروس، الأمر الذي أسفر عن التوصل إلى لقاحات متعددة. وقد أدى ذلك إلى أن تظهر من جديد فكرة الصراع بين الدول النامية والدول المصنعة للأمصال، إذ أن توفير المنتجات الدوائية للمرضى بأسعار مناسبة في أي دولة يتوقف على عدة عوامل من حيث موقف قوانين الملكية الفكرية ومستوى الحماية الذي تقرره بالنسبة للمنتجات الدوائية، ذلك أن قوانين الملكية الفكرية تضمن حقوقاً استئثارية لأصحاب البراءات ومكتشفي الأمصال، وهو ما ينتج احتكار الشركات الدوائية المصنعة لهذه الحقوق وبالتالي المغالاة في أسعار الأمصال المبنية عليها، وهو أمر يخضع بشكل أساسي لاتفاقية التربس إلى جانب إعلان الدوحة وهو ما سنعرض له.

وغني عن القول أن براءات الإختراع ترتبط إرتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان، إذ أن تلك البراءات تعد صورة من صور الحقوق الواردة على الملكية الفكرية. وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 27 منه على أن “لكل فرد الحق فى الإستفادة من حماية المنافع المادية والمعنوية المتأتية من أي نتاج علمي أو أدبي أو فني يكون ذلك الفرد هو السبب فى وجوده.” وفي المقابل، فإن الحق بالصحة يعد أيضاً من الحقوق الأساسية التي لا غنى للإنسان عنها. وهذا ما أكدته المواثيق الدولية، حيث نص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعام 1966 على التزام الدول بتوفير أقصى مستويات الصحة البدنية والعقلية، وهذا ما يستتبع حصول الأفراد على الدواء اللازم في أوقات الأمراض والاوبئة.

ويعد الدواء من المنتجات المحمية وفقاً لأحكام قوانين براءات الإختراع، إذ يخول لصاحبه حظر أي شخص من استخدام الدواء أو استعماله إلا بمقابل مادي، وهذا المقابل المادي غالباً ما يتسم بكونه باهظاً لا يقدر كافة الأفراد على تحمل تكلفته.

وبإلقاء الضوء على اتفاقية التربس([1]) وأثرها في النظام التجاري الدولي نجد أن الاتفاقية حاولت التوفيق بين الاعتبارين السابقين، إذ ارتأت الدول أنه حتى يتحقق لأصحاب حقوق الملكية الفكرية تمتعهم الكامل بالحماية القانونية على مستوى دولي كان لابد من وجود حد أدنى من التشابه والاتساق ما بين القواعد المتعلقة بحماية حقوق الملكية الفكرية فيما بين البلدان المختلفة. وعلى هذا الأساس بذلت العديد من الدول وبخاصة الدول المتقدمة جهوداً كبيرة في سبيل الوصول إلى اتفاقيات دولية في هذا الخصوص منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى جولة أورجواي.

ومما لا شك فيه أن حقوق الملكية الفكرية إنما تهدف بشكل أساسي إلى المساهمة في تطوير التكنولوجيا الجديدة حيث يتمكن المخترعون من مراقبة اختراعاتهم والتحكم في انتاجها بشكل قانوني وبالجودة المطلوبة، وذلك من خلال براءات الاختراع وحقوق المؤلف والعلامات التجارية والإشارات الجغرافية والأسرار التجارية وغيرها.

واتساقاً مع ضوابط ومعايير حماية حقوق الملكية الفكرية الدولية فقد التزمت العديد من الدول الخاضعة لاتفاقية التربس بتطويع تشريعاتها الوطنية بما يتوافق مع تلك الضوابط والمعايير، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة ألا تصبح التشريعات معقدة أو غير منصفة بشكل قد يحولها إلى قيود معيقة للتجارة. ومع ذلك، فإن المخاوف تتزايد فى ضوء تطبيق أحكام التربس وما تفرضه من حماية لحقوق مالك براءة الإختراع، إذ تتسم الأحكام بالقسوة لحماية حقوق براءات الإختراع، وذلك تحت ضغط الشركات العملاقة لحماية منتجاتها محلياً وعالمياً، علماً بأن اتفاقية التربس قد حددت مدة زمنية لحماية الاختراع لا تقل عن عشرين عاماً.

وهذا ما أظهر من جديد دور إعلان الدوحة ومواجهته لقصور اتفاقية التربس في حماية الدول النامية من مغالاة الشركات المبتكرة واحتكارها للأمصال، وموقف التشريعات الوطنية. ويمكن إبراز هذا الدور في النقاط التالية.
عدت اتفاقية التربس نقلة نوعية في إطار أحكام قواعد حماية براءات الإختراع، فمن المستقر عليه أن صناعة الأمصال والعلاجات الفعالة تعد من أهم الصناعات الحيوية في العالم لإرتباطها الوثيق بصحة الإنسان. إلا أن هذه الصناعة تحتاج لتوفير رؤوس أموال ضخمة وذلك نتيجة قيامها بصفة أساسية على البحث العلمي الباهظ التكاليف والتطوير المستمر، وهذا ما يستتبع قيام الشركات متعددة الجنسيات المالكة لرؤوس الأموال الضخمة باحتكار هذه الصناعات. وتسعى هذه الشركات للحفاظ على استثمارتها من خلال تعزيز حماية ابتكاراتها واختراعاتها الدوائية والحرص على رفع مستويات حماية حقوق الملكية الفكرية بغية إحكام قبضتها وسيطرتها على الأسواق العالمية للمنتجات الدوائية وتحقيق المزيد من الأرباح.

وإزاء هذا الوضع، واجهت العديد من الدول النامية صعوبات خلال إنتشار الاوبئة، كما ساهمت الشركات الكبرى في ازدياد الوضع سوءاً، وذلك من خلال رفضها توفير الأدوية لرعايا الدول النامية، مما استتبع إثارة النزاع حول الحقوق الأولى بالرعاية. ففي وقت انتشار فيروس الإيدز مثلاً، كانت جنوب إفريقيا من أكثر الدول تأثراً به، وكان لقاح الإيدز باهظ الثمن بالإضافة إلى أنه محمي ببراءات اختراع مملوكة من قبل شركات كبرى، الأمر الذي استدعى قيام الرئيس نيلسون منديلا بإصدار قانونٍ يعطي لوزير الصحة السلطة لاتخاذ تدابير من أجل توفير الدواء بأسعار معقولة تتناسب مع دخل المرضى في جنوب أفريقيا. وقد أجاز ذلك القانون استيراد الأدوية المحمية ببراءات اختراع إلى جنوب إفريقيا طالما أنها طرحت بمعرفة الشركات الدوائية صاحبة البراءات في الخارج مقرراً بذلك مبدأ الاستيراد الموازي.

وقد تعرضت حكومة جنوب أفريقيا إلى الكثير من الضغط والتهديدات من قبل الشركات الكبرى لتغيير ذلك القانون، بدعوى تعارضه مع اتفاقية التربس، إلا أن حكومة جنوب أفريقيا تجاهلت كل ذلك. وعليه، وفي مارس 2001 أقامت مجموعة من شركات الأدوية الكبرى بلغ عددها 39 شركة دعوى قضائية ضد حكومة جنوب إفريقيا طالبة إلغاء القانون المذكور، إلا أنها اضطرت بعد ذلك، استجابة للرأي العام، إلى الانسحاب من القضية خشية افتضاح أمرها أمام العالم وظهورها بوجه قبيح يكشف تعطشها لتحقيق مكاسب وأرباح طائلة دون تقدير لأي جوانب إنسانية، حتى ولو كانت تلك الأرباح على حساب أجساد وأرواح المرضى.

وقد شغل الجدل العالمي حول اتفاقية التربس والصحة العامة انتباه المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية المنعقد في دولة قطر في نوفمبر 2001، الأمر الذي أدى إلى إصدار المؤتمر إعلاناً وزارياً للتصدي للمشكلة المذكورة، وهو إعلان الدوحة. وقد جاء إعلان الدوحة لحماية الدول النامية والأقل نمواً من بطش الدول المتقدمة وشركات الأدوية الكبرى، إذ نص في البند 4 منه على أنه:
“نحن نتفق على أن اتفاق التربس لا ولا ينبغي له أن يمنع الأعضاء من اتخاذ تدابير لحماية الصحة العامة. تبعاً لذلك، وبينما نكرر تأكيد التزامنا باتفاق التربس، نؤكد أن الاتفاق يمكن وينبغي أن يفسر وينفذ بطريقة تدعم حق أعضاء منظمة التجارة العالمية في حماية الصحة العامة، وعلى وجه الخصوص، للوصول إلى تشجيع الحصول على الأدوية للجميع. وفي هذا الصدد، نؤكد من جديد حق أعضاء منظمة التجارة العالمية لاستخدام، على نحو كامل، الأحكام الواردة في اتفاقية التربس، والتي توفر المرونة اللازمة لهذا الغرض.”

وتطبيقاً لذلك، أدى إعلان الدوحة وبالأخص البند الخامس والسادس إلى اعتماد أن هناك ظروفاً استثنائية تبرر إيقاف تطبيق الفقرة (و) و (ح) من المادة ٣١ من اتفاقية التربس فيما يتعلق بالمنتجات الدوائية. فقد نص البند 5 من الإعلان على الآتي:
“وتبعاً لذلك وفي ضوء الفقرة 4 أعلاه، ومع الحفاظ على التزاماتنا في اتفاقية التربس، نحن ندرك أن هذه المرونة تتضمن ما يلي:
أ- عند تطبيق قواعد التفسير المعتادة للقانون الدولي العام، يجب قراءة كل حكم من أحكام اتفاقية التربس في ضوء الهدف والغرض من هذا الاتفاق كما تم التعبير عنه، على وجه الخصوص، في أهدافها ومبادئها.
ب- لكل بلد عضو الحق في منح التراخيص الإجبارية، وحرية تحديد الأسس التي يتم منح هذه التراخيص على أساسها.
ج- لكل بلد عضو الحق في تحديد ما يشكل حالة طوارئ وطنية أو الظروف الأخرى من حالات الضرورة القصوى، على أن يكون مفهوما أن أزمات الصحة العامة، بما فيها تلك المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، السل، والملاريا وغيرها، يمكن أن تمثل حالة طوارئ وطنية أو ظروف أخرى من الضرورة القصوى.
د- يترتب على الأحكام الواردة في اتفاق تريبس التي لها صلة باستنفاد حقوق الملكية الفكرية هو ترك كل عضو حر في إقامة نظامه الخاص لمثل هذا الاستنفاد من دون تحد، تخضع لمعاملة الدولة الأولى بالرعاية والمعاملة الوطنية لأحكام المادتين 3 و4.”
كما أضاف الإعلان في نص البند 6 منه على ما يلي:
“نحن نسلم بأن أعضاء منظمة التجارة العالمية ذوي قدرات التصنيع غير الكافية أو بدونها في قطاع الصيدلة قد يواجهون صعوبات في الاستفادة الفعالة من الترخيص الإجباري بموجب اتفاقية التربس. إننا نطلب من مجلس التربس إيجاد حل سريع لهذه المشكلة وتقديم تقرير إلى المجلس العام قبل نهاية عام 2002. ”

وبناء على ذلك، أصدر المجلس العام لمنظمة التجارة العالمية قراراً في 30 أغسطس 2003 عملاً بالبند 6 من إعلان الدوحة بخصوص اتفاقية التربس والصحة العامة، ونص القرار على أن التزامات العضو المصدر بموجب المادة 31(و) من اتفاقية التربس يتم التنازل عنها فيما يتعلق بمنحها ترخيصاً إلزامياً بالقدر اللازم لأغراض إنتاج منتجات صيدلانية وتصديره إلى الأعضاء المستوردين المؤهلين وفقًا للشروط التالية:
” أ- أن تقوم الدولة المستوردة للدواء بإخطار مجلس التربس على أن يتضمن الإخطار ما يلي:
1- تحديد أسماء الأدوية والكمية المتوقعة التي تحتاجها.
2- تأكيد أن الدولة المستوردة المؤهلة ليس لديها القدرة على تصنيع المنتج الدوائي، أو أن قدرتها ضعيفة.
3- عندما يكون الدواء المستورد محمياً ببراءة اختراع في الدولة المستوردة يجب أن تكون قد منحت أو لديها النية في أن تمنح ترخيصا إجبارياً وفقاً لشروط المادة 31 تربس، وهذا القرار.

ب- يجب أن يتوافر في الترخيص الإجباري الذي تمنحه الدولة المصدرة للدواء الشروط التالية:
1- أن يحدد الترخيص الإجباري الكمية الضرورية لتصنيعها لتلبية احتياجات الدولة المستوردة، والتي تم إخطار مجلس التربس بها.
2- يجب تمييز المنتجات محل الترخيص الإجباري بوضوح للدلالة على أنه يتم إنتاجها وفقا للنظام الصادر به هذا القرار، وذلك عن طريق تغليفها بأغلفة أو عبوات مميزة أو وضع علامات عليها أو تلوينها أو اتخاذ شكل مميز للمنتجات ذاتها، بشرط أن يكون تمييزها ظاهراً، ولا يكون له تأثير يذكر على سعرها.
3- يجب على المرخص له (في الدولة المصدرة) قبل بدء الشحن أن ينشر على الموقع الإلكتروني المعلومات التالية:
– الكميات التي سوف يتم شحنها بموجب الترخيص الإجباري.
– الملامح المميزة للمنتجات محل الترخيص الإجباري.

(ج)يجب على الدولة المصدرة إخطار مجلس التريبس بأنها أصدرت الترخيص الإجباري وبيان الشروط الخاصة بإصداره ويجب أن تشمل المعلومات التي تقدمها اسم وعنوان المرخص له، والمنتجات محل الترخيص، الكميات التي تم الترخيص بها، الدولة أو الدول التي سيتم الشحن إليها، ومدة الترخيص. ويجب أن يشمل الإخطار عنوان الموقع الإلكتروني المشار إليه فيما تقدم.”

ومما سبق كله يتضح أن إعلان الدوحة قد جاء مواكباً لتطورات وأوضاع الدول النامية، وذلك من حيث إيقاف العمل بالمادة 31 من إتفاقية التربس بحيث تستطيع الدول النامية الحصول على الأمصال اللازمة لحماية مواطنيها في أوقات الأوبئة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن المادة سالفة البيان قد ذكرت حالات التراخيص الإجبارية على سبيل المثال وليس الحصر، وهذا ما فتح المجال لإعلان الدوحة لتخويل الدول تحديد مفهوم الطوارىء القومية والأوضاع الملحة، وهذا ما يمكن معه توسيع نطاق التطبيق على كافة الأزمات الصحية.

هذا، وقد لجأت العديد من الدول إلى التراخيص الإجبارية فيما يتعلق بالأدوية في مختلف القارات على مدار السنوات السابقة وذلك في سبيل القضاء على بعض الأمراض المتفشية. ولم تقتصر الاستفادة من التراخيص الإجبارية على الدول النامية، بل امتدت أيضاً إلى الدول الكبرى. فعلى سبيل المثال قامت الولايات المتحدة الامريكية على إثر ظهور الجمرة الخبيثة بإلزام شركة باير الألمانية بتخفيض سعر الدواء الخاص بها، وذلك تحت تهديد اللجوء إلى دواء آخر، كما قامت كندا بذات الإجراء مع ذات الشركة حيث أن الكميات لم تكن كافية، وهذا ما أرغم الشركة على تخفيض سعر الدواء في غضون 48 ساعة من ورود الطلب إليها.

وختاماً، نرى أنه بالرغم من أهمية إعلان الدوحة وما ذهب إليه، إلا أن الدول الكبرى لازالت تمثل عقبةً في طريق الوصول إلى تطبيق أمثل للنصوص، إذ قامت الدول الكبرى بالتحايل على النصوص وفرض ضمانات جديده، تعكس مستوى أعلى من الحماية لبراءات الاختراع وذلك من خلال التربس بلاس، أو من خلال الاتفاقيات الثنائية، مما أدى إلى تفاقم بعض الأزمات الصحية خلال السنوات الماضية.


[1] اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة (TRIPS)  هي اتفاقية قانونية دولية بين جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (WTO) تضع معايير دنيا لتنظيم الحكومات الوطنية للعديد من أشكال الملكية الفكرية كما هو مطبق على مواطني الدول الأخرى الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. وقد تم التفاوض بشأن اتفاق تربس في نهاية جولة أوروغواي للاتفاقية العامة بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (الجات) في عام 1994 وتديرها منظمة التجارة العالمية، وقد تم دخولها حيز النفاذ فى 1 يناير 1995، وقد انضمت 163 دولة لهذه الاتفاقية وهم أعضاء منظمة التجارة العالمية.

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2019 Sultan Al-Abdulla & Partners