INSIGHTS

التعليق على قرار مجلس الوزراء رقم (18) لسنة 2020 بإصدار ميثاق سلوك ونزاهة الموظفين العموميين

May 26, 2021

Image of businessman holding alarmclock against illustration background. Collage

كتابة:
د. أحمد ديهوم ، مستشار بمكتب الفيشاوي والشاذلي للمحاماة والتحكيم والاستشارات القانونية .
أ. أحمد حسن، مستشار بمكتب الفيشاوي والشاذلي للمحاماة والتحكيم والاستشارات القانونية .

تعد الوظيفة العامة أحد أهم الأعمدة الرئيسية التي يقوم عليها بناء الدولة، وحين يتقلد الموظف العام وظيفة عمومية فإنه يمثل وجه الدولة، ويجب أن يحوز ثقة المواطنين فضلاً عن أن أي خطأ يقوم به الموظف العام ينسب إلى الدولة كونه ممثلاً لها. وعليه، يعد سلوك الموظفين العموميين أثناء أدائهم لوظائفهم العمومية محاطاً بسياج من الشفافية والمصداقية وعدم التمييز عند تقديم خدماتهم لجمهور المتعاملين معهم، وهو ما يعرف بميثاق أو مدونة سلوك ونزاهة الموظفين العموميين.

ويجب على الموظف عند أداء الموظف واجباته الوظيفية أن يتصف بالأمانة والنزاهة والموضوعية، إذ أنه يمثل الوجه المشرف للدولة، فضلاً عن أن عمله بالوصف المتقدم يعمل على تحقيق أهداف الجهة الحكومية التي يعمل بها. كما يجب أن يكون نطاق عمله في حدود الصلاحيات المخولة له، فلا يتجاوزها وأن يؤدي عمله بحسن النية المفترضة أساسا في العمل العام، هذا بجانب اتصافه بالتجرد من سوء القصد أو الإهمال أو مخالفة القانون أو الإضرار بالمصلحة العامة لتحقيق مصلحة خاصة له أو للغير.

في هذا الصدد، صدر قرار مجلس الوزراء رقم (18) لسنة 2020 بإصدار ميثاق سلوك ونزاهة الموظفين العموميين. وننوه بداية إلى أن مواد الميثاق تتوافق مع معايير التي قررتها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الصادر بالتصديق عليها المرسوم رقم (17) لسنة 2007[1]. كما أنها تتوافق مع المعايير التي أوردتها الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد الصادر بالتصديق عليها المرسوم[2] رقم (37) لسنة 2012.

وقد اتسم القرار الجديد، الذي جاء في ديباجة ومواد إصدار في ثلاث مواد وثلاثة فصول تشريعية في تسعة عشر مادة، بالجدة والحداثة كونه العمل التشريعي الأول من نوعه حول إصدار مدونة سلوك جاءت تحت عنوان “ميثاق سلوك ونزاهة الموظفين العموميين”..

وانطوت المادة الأولى من القرار على تعريفات لمصطلحات هامة وجوهرية. فقد جاء تعريف الموظف العام بأنه “كل من يشغل إحدى الوظائف في الجهات التي تسري عليها أحكام هذا الميثاق” ليشمل كافة الموظفين المدنيين العاملين في الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة، وفقاً لنص المادة الثانية من مواد إصدار القرار.

كما جاء تعريف مصطلح الوظيفة العامة بالقرار بأنه “مجموعة من المهام والواجبات والاختصاصات يؤديها الموظف العام وتستهدف المصلحة العامة وحدها، وتنظمها مجموعة من القواعد القانونية.” وجاء هذا التعريف جامعاً لكافة اختصاصات ومهام وواجبات الموظف، ومانعاً من اختلاط وظائف أخرى لا تتصف بالعمومية.

كما جاء تعريف مصطلح المال العام بأنه “المال المملوك أو الخاضع لإشراف أو إدارة أي من الجهات التي تسري عليها أحكام هذا الميثاق” موسعاً فلم يقتصر على تملك الجهات والمؤسسات الحكومية له بل أدخل بتعريفه أيضا المال المدار من أي من تلك الجهات الحكومية أو المشرفة عليه لبسط أكبر قدر ممكن من الحماية على المال العام.

وجاء تعريف المصلحة الخاصة بأنها “أي مصلحة شخصية للموظف العام، يمكن أن تؤثر سلباً على حياديته في أداء واجباته الوظيفية”، وهو تعريف يتسع ليشمل كافة أنواع المصالح الشخصية التي يمكن أن يغلبها الموظف العام وتؤثر بالسلب على حياديته المفترضة أساساً كونه يقوم بتقديم خدمات ومصالح عامة لقطاع عريض من المتعاملين مع المصلحة الحكومية التي يمثلها الموظف.

وأخيرا جاء تعريف مصطلح تضارب المصالح بأنه “هي الحالة التي تؤثر في موضوعية واستقلالية قرار الموظف العام بمصلحة خاصة”. ويفترض التعريف المتقدم تناقض بين المصلحة العامة التي من المفترض أن يسعى لتحقيقها الموظف العام وبين مصلحة خاصة ضيقة يسعى لتحقيقها على حساب الأولى، مما يؤدي للتضارب بينهما. وينتج عن تغليب المصلحة الخاصة الضيقة التأثير السلبي على قرار الموظف العام من ناحية الموضوعية واستقلالية قراره، كونه تحت تأثير تغليب مصلحته الخاصة فتضيع شفافية العمل العام وتنهار مصداقيته لدى المتعاملين مع الجهة التي يمثلها الموظف.

وجاءت المادة الثانية من مواد إصدار القرار لتفعل مواد الميثاق لتسري أحكامه على الموظفين المدنيين العاملين في الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة، حتى لا تكون مواده مجرد عبارات إنشائية بل مواد قانونية ملزمة بما اشتملته من حقوق وواجبات لكافة الموظفين العموميين.

ويهدف الميثاق إلى تعزيز قيم النزاهة والشفافية فيما يتعلق بالوظيفة العامة، كما تحدد مواد الميثاق القواعد الأساسية لآداب الوظيفة العامة وبناء قيم وثقافة مهنية تقوم على الأمانة والإخلاص. ويحدد الميثاق العلاقة بين الموظف ورؤسائه ومرؤوسيه والقيم التي تنظم هذه العلاقة لتحقيق بيئة عمل يحكمها القانون والقيم الأخلاقية المبنية على الإخلاص والأمانة والمصلحة العامة، مع تعزيز ثقة متلقي الخدمة في عمل الجهات التي تقدمها.

وتتمحور مبادئ الميثاق حول الاحترام للأدوات التشريعية بدءاً من دستور البلاد مروراً بالقوانين والأنظمة واللوائح وصولاً للتعليمات الخاصة بالوظيفة العامة، والتأكيد على استهداف الموظف العام للمصلحة العامة دون غيرها، مع الاستخدام الأمثل للممتلكات العامة.

كما يقوم الميثاق على قيم الجدية والصدق والأمانة والموضوعية في اتخاذ القرارات والحيادية والمساواة عند تقديم الخدمات دون تمييز، مع تعريف أفراد المجتمع بالسلوك الوظيفي المرغوب فيه، والمتوقع من الموظف العام والترويج لقيم العمل الجيدة، والنزاهة والتجرد من أي أغراض أو مقاصد خاصة، وإعلاء شأن المصلحة العامة. وقد عددت مواد الميثاق واجبات والتزامات الموظف العام وخصصت لها المواد من السابعة وحتى الثامنة عشر، وهي تشمل:

(1) أداء الاختصاصات الوظيفية وذلك في إطار من الحرص على الإلمام بالقوانين والأنظمة النافذة، ذات الصلة، وتطبيقها دون أي تجاوز أو مخالفة أو إهمال، وأداء الواجبات المنوطة به بكل نزاهة وموضوعية وحيادية واستغراق وقت العمل لهذه الواجبات فحسب، مع مراعاة قواعد السلامة والصحة المهنية، مع تجنب أي تصرف يمثل انتهاك للآداب والسلوك القويم.
(2) الحفاظ على الأموال والممتلكات العامة وذلك بالحرص عليها من خلال تحقيق الاستخدام الأمثل لها وفي الأغراض المخصصة لها فحسب.
(3) الحفاظ على المعلومات والوثائق الرسمية سواء أكانت تلك المعلومات والوثائق سرية اطلع عليها بحكم عمله، أو توضع تحت مسئوليته.
(4) تجنب ومعالجة تضارب المصالح وذلك بالإفصاح لجهة عمله عن الحالات التي قد تفضي إلى تضارب المصالح..
(5) التعامل مع الهدايا والمزايا الأخرى وذلك بتجريم طلب أو قبول هدايا بل ويجب أن يقوم الموظف برد الهدايا التي لم يتمكن من رفضها لجهة عمله، وهذا الالتزام من أهم الالتزامات التي تقع على عاتق الموظف العام لضمان مصداقيته وحياديته أثناء قيام بعمله الموكل إليه.
(6) العلاقة مع الرؤساء وزملاء العمل والمرؤوسين، وتحكم تلك العلاقة الاحترام المتبادل في إطار من الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم المعمول بها، وترسيخ مباديء التعاون وإبداء الرأي والمشورة والخبرة التي يمتلكها الموظف أيا كان موقعه بكل موضوعية وصدق.
(7) حسن التعامل مع متلقي الخدمة واحترام حقوقه وانجاز معاملاته بالسرعة المطلوبة وسرية التعامل مع وثائقه ومستنداته، مع منح الأولوية لذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن، وتقديم كل العون والمساعدة لهم، وتجنب كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الإخلال بحسن سير وانتظام العمل وتعطيل مصالح متلقي الخدمة.
(8) التعامل مع تكنولوجيا المعلومات والتعامل مع البريد الإلكتروني والتعامل مع الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال استخدامها لأغراض ومصلحة العمل فحسب، مع الحرص على المحافظة على أسرار العمل.

كما حددت المادة التاسعة عشر من الميثاق التزامات جهة العمل تجاه الموظف العام، وتأتي تلك الالتزامات في تحديد مهام الموظف العام، وسلطاته، ومسؤولياته بوضوح، وفقاً لوصف وظيفي دقيق وواضح. وكذلك التعامل مع الموظف العام في كل ما يتعلق بأوضاعه الوظيفية، على أساس الاستحقاق والجدارة، والتنافسية، وتكافؤ الفرص، ليستشعر الموظف العام تقدير جهة عمله لمجهوده فيبذل المزيد من الجهود التي ترتقي بالوظيفة العامة.

كما تلتزم جهة العمل بتأمين ظروف عمل جيدة وآمنة للموظف العام، وضمان عدم ممارسة أي تمييز بحقه، وكفالة حقه في التظلم أو الشكوى من أي قرار خاطئ اتخذ بحقه وفقاً لأحكام القوانين والأنظمة السارية، وكذلك توفير آلية سريعة للرد على استفسارات الموظف العام، فيما يتعلق بتطبيق أحكام هذا الميثاق.

وبهذا، يمثل الميثاق نقلة نوعية للإرتقاء بالسلوكيات الوظيفية وتعزيز أخلاقيات الوظيفة العامة، وذلك بتحقيق مواد الميثاق لأعلى مؤشرات الشفافية والنزاهة في الدولة، وتعزيز الثقة في الوظيفة العامة، وإسباغ مزيد من الحماية للمال العام سواء المملوك أو المدار بمعرفة الجهات الحكومية. ولا يعد الميثاق نهاية المطاف في الارتقاء بسلوكيات الوظيفة العامة بل يعد اللبنة الأولى التي على أساسها يتوالى استصدار التشريعات الخاصة بالوظيفة العامة.

كما يأتي هذا الميثاق في ضوء تحقيق رؤية قطر الوطنية 2030، وتركيزها على تكامل العنصر الأخلاقي للموظف العام، والتأكيد على الاستخدام الأمثل للموارد العامة، كما أن الميثاق رسخ للقواعد الدستورية المتمثلة في أن الوظائف العامة خدمة وطنية مستحقة للمواطن والمقيم معاً.


صدر القرار بتاريخ 8/10/1441 هـ الموافق 31/5/2020م، ونشر بالجريدة الرسمية بالعدد الحادي عشر، 8 ذو القعدة 1441هـ الموافق 29 يونيو 2020م، الصفحة رقم 23.
[1] نشر القانون بالجريدة الرسمية بتاريخ 17/06/2007 بالعدد رقم 5، صفحة 440.
[2] نشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 09/07/2012، بالعدد 8 صفحة 49.

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2019 Sultan Al-Abdulla & Partners