INSIGHTS

تعليق على حكم محكمة التمييز القطرية الصادر في الطعن رقم 196 لسنة 2020 تمييز مدني

May 25, 2021

1572463561-8959

كتابة:
أحمد عبدالغني طاهر، محام أول.

تَحَصَّلت الشركة الطاعنة على حكمٍ نهائيٍ بإلزام شركتين مُتحالفتين بالتضامن فيما بينهما بأداء مبلغ يربو على عشرين مليون ريال عبارة عن مستحقات للشركة الطاعنة لدَى هاتين الشركتين، وهيَّ مستحقات ناشئة عن عقد مقاولة مُتعلق بأعمال الكهرباء والميكانيكا التي قامت بها الشركة الطاعنة لصالِح الشركتين المذكورَتَين. وبادَرَت الطاعنة بتسجيل دعواها التنفيذية أمام محكمة التنفيذ لاستيفاء المبلغ المحكوم به مِن الشركتين المحكوم عليهما، وفق القانون.

استمَر المحكوم عليهما في الامتناع عن تنفيذ الحكم وعن سداد المبلغ المحكوم به على الرغم مِن ثبوت وجود أموال لديهما، فَما كان مِن الشركة الطاعنة إلا أن باشَرَت في اتخاذ إجراءات حَبس المدين وفق نص المادة 514، والمادة 515 مِن قانون المرافعات المدنية والتجارية[1]، فأقامت الطاعنة دعوى حبس في الدعوى التنفيذية ضد المُدراء المخولون بالتوقيع عن الشركتين المحكوم عليهما، وصدر فيها الحكم بحبس المدراء الثلاثة لمدة ثلاثة أشهر ما لم يسددوا المبلغ المحكوم به محل التنفيذ، أو يقدموا كفيل مقبول أو تطلب المحكوم لها “الطاعنة” إخلاء سبيلهم.

وكانت الطاعنة قد أحالَت حقوقها الناشئة عن دعواها الصادر فيها الحكم محل التنفيذ وعن دعواها التنفيذية المُقامة لاستيفاء المبلغ المحكوم به إلى أحد البنوك الدائنة للشركة الطاعنة وهو المطعون ضده الرابع، وتمت هذه الحوالة بعد تسجيل الدعوى التنفيذية أمام محكمة التنفيذ وقبل تسجيل دعوى الحبس في الدعوى التنفيذية.

طعن اثنان مِن مُدراء الشركتين المحكوم عليهما والصادر حكم بحبسهما على حكم الحبس الصادر بحقهما بمُوجب استئناف مُستقل لكل منهما، وتم ضم الاستئنافين معاً للارتباط وليصدر فِيهما حكمُّ واحد. وكان السبب الرئيس في الاستئنافين هو النعي على الحكم الصادر بالحبس بمُخالفة القانون والخطأ في تطبيقه لرفضه قبول الدفع بعدم قبول دعوى الحبس لرفعها مِن غير ذي صفة على أساس أنَّ عقد حوالة الحق مِن الطاعنة إلى البنك المطعون ضده الرابع قد أزال الصفة عن الطاعنة وأصبح البنك المُحال إليه هو الوحيد صاحب الصفة في مُباشرة دعوى التنفيذ وبالتبعية إقامة ومُباشرة دعوى الحبس، وإنه لا صفة للطاعنة في رفع دعوى الحبس، خاصةَ أنَّ دعوى الحبس قد أُقيمت في تاريخ لاحِق لتاريخ عقد حوالة الحق، وأنَّ الحكم إذ قضى بالحبس ورفض الدفع بعدم القبول لانتفاء صفة الطاعنة قد صدر مشوباً بمُخالفة القانون والخطأ في تطبيقه بما يستوجِب إلغائه والقضاء مُجدداً بعدم قبول دعوى الحبس لِرفعها مِن غير ذي صفة.

بعد تداول الاستئنافين أمام المحكمة وتبادل المذكرات بين الطاعنة والمطعون ضدهما الأول والثاني “المحكوم بحبسهما” تدَّخَل البنك المُحال إليه “المطعون ضده الرابع” في الاستئنافين مُنضمَّاً للطاعنة في طلباتها بتأييد حكم الحبس، ولم يحضر المطعون ضده الثالث “المدير الثالث بالشركتين المحكوم عليهما”، والصادر الحكم بحبسه أيضاً إلى جانب المطعون ضدهما الأول والثاني.

استجابت محكمة الاستئناف لطلبات المستأنِفَين “المطعون ضدهما” وقَضّت في الاستئنافين بقبولهما شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم والقضاء مُجدداً بعدم قبول دعوى الحبس لِرفعها مِن غير ذي صفة، تأسيساً على أنَّ حوالة الحق قد أزالَت الصفة عن الطاعنة وأصبحت فقط للبنك المُحال إليه، وقضَت في التدخل بقبول تدخل البنك شكلاً ورفضه موضوعاً.

طعنت الشركة الطاعنة على حكم الاستئناف أعلاه بالتمييز رقم 196/2020 تمييز مدني “محل التعليق”، وأسسَّت الطاعنة طعنها على مُخالفة حكم محكمة الاستئناف للقانون والخطأ في تطبيقه، إذ أقام قضاءه بعدم قبول الدعوى “دعوى الحبس” لِرفعها مِن غير ذي صفة على أساس أنَّ الطاعنة قد أحالَت حقوقها الناشئة عن الدعوى الصادر فيها الحكم بالإلزام بالمبلغ وعن دعوى التنفيذ الصادر فيها حكم الحبس ضد المطعون ضدهما الأول والثاني والثالث إلى البنك المطعون ضده الرابع بمُوجب عقد حوالة حق، على الرغم مِن أنَّ هذا العقد لا يحول دون مسؤولية الطاعنة عن الحق موضوع الحوالة والتزامها بضمانه، ولا يترتَب عليه – أي على عقد حوالة الحق- انتفاء صفة الشركة الطاعنة “المُحيلة” ومصلحتها في مباشرة الدعوى التنفيذية السابقة على انعقاد حوالة الحق، وما يستتبعها من إقامة دعوى الحبس خاصةً أنَّ حوالة الحق تمت بعد تاريخ إقامة الطاعنة الدعوى التنفيذية ذاتها، وأنَّ دعوى الحبس وإن كانت أُقيمت بعد تاريخ عقد الحوالة إلا أنها تظل مُقامَة بعد تاريخ تسجيل دعوى التنفيذ ذاتها ودعوى الحبس هيَّ مِن تَبعات دعوى التنفيذ لكونها مُتفرِعة عنها، بما تظل معه الصفة مُتوفرة للطاعنة في إقامة دعوى الحبس حتَّى بعد حوالتها للحق موضوع دعوى التنفيذ، وحيث خالَف الحكم المطعون عليه هذا النظر بما يكون معه ذلك الحكم – والحال كذلك – قد صدر مشوباً بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، بما يعيبه ويستوجب تمييزه لهذا السبب.

عُرِض الطعن على محكمة التمييز في غرفة المشورة فرأت إنه جدير بالنظر فحدَدَت جلسة لنظرِه وللمرافعة، وبتاريخ 16 يونيو 2020 أصدَرَت محكمة التمييز حُكمها محل التعليق، حيث استجابت لطلبات الطاعنة وأكَدَّت المحكمة أن نعي الطاعنة المُشار إليه أعلاه في محله، وحَكَمَت بتمييز الحكم المطعون فيه، وإحالة القضية إلى محكمة الاستئناف لتنظرها بهيئة مُغايرة.

وقد وضعت محكمة التمييز بهذا الحكم مبادئ هامة، نُوجزها فيما يلي:

أولاً: قالت المحكمة إنه يتعيَّن أن يكون طالب التنفيذ صاحب صفة في التنفيذ الذي يباشره بمُوجب السند التنفيذي المنفذ بمقتضاه، وأن يُباشَر التنفيذ ضد ذي صفة، بمعنى أن يكون المُنفَذ ضده هو الشخص الذي قرر السند التنفيذي إنه المدين لذلك الدائن “طالب التنفيذ”، وقالت المحكمة إنَّ تَخلُف أي مِن الأمرين يجعل مِن التنفيذ باطلاً.

ثانياً: قررت محكمة التمييز في حُكمها محل التعليق أنَّ الأصل أنَّ الاتفاق يكون فيما تضمنه مِن حقوق والتزامات مقتصراً نفاذها على طرفَي الاتفاق، إلا إذا أحال أي منهما حقه المُقرَر بمُوجب الاتفاق إلى آخر بالإجراءات وبالشروط المُتطلبة قانوناً.

ثالثاً: قررت محكمة التمييز في حُكمها محل التعليق إنه ولئن كان استخلاص الصفة في الدعوى هو مِن قبيل فهم الواقع فيها وتستقل به محكمة الموضوع إلا أنَّ ذلك مشروط بأن تُقيم المحكمة قضاءها في ذلك على أسباب سائغة كافية لحمله.

رابعاً: قررت المحكمة أنَّ الطاعنة تحصَّلت على حكم بإلزام الشركتين المدينتين لها والتي يُمثلها المطعون ضدهما “المحكوم عليهما بالحبس” بالتضامن بأداء المبلغ المقضي به، وتم تأييد هذا القضاء بحكمٍ نهائي، وباشَرَت الطاعنة إجراءات التنفيذ ضد المحكوم عليهما بالدعوى التنفيذية الصادر فيها حكم حبس المطعون ضدهما، بما تتوافر للطاعنة الصفة والمصلحة المباشرة في طلب التنفيذ، وهو ما يستتبع ثبوت أحقيَّة الطاعنة في إقامة دعوى الحبس المطعون في حُكمها.

خامساً: قررت المحكمة في حُكمها محل التعليق إنه لا ينال مِن توافر الصفة للطاعنة في إقامة دعوى الحبس ضد المطعون ضدهما حوالة الطاعنة لكافة حقوقها المستحقة لها بموجب الحكم محل دعوى التنفيذ وأيَّة مبالغ تَتَحصل عن الدعوى التنفيذية المُقامة فيها دعوى الحبس الصادر فيها الحكم محل الطعن إلى البنك المطعون ضده الرابع – دون مباشرة إجراءات التنفيذ نيابة عنها – بمُوجب عقد حوالة الحق المُوثقة والمؤرخة عام 2017 في تاريخ لاحق على إقامة الشركة الطاعنة الدعوى التنفيذية ضد المحكوم عليهما، وما تفرَع عنها من إقامة دعوى حبس المطعون ضدهما الأول والثاني، وأنَّ مُخالفة الحكم لهذا النظر وقضائه بإلغاء حكم الحبس ومُجدداً بعدم قبول دعوى الحبس لرفعها من غير ذي صفة – قاصِداً نفي الصفة عن الطاعنة – بعد حوالة حقها للبنك، هو قضاء مُنطوٍ على مُخالفة القانون والخطأ في تطبيقه، بما يُوجِب تمييزه لهذا السبب.

وبهذا الحكم أكَدَّت محكمة التمييز على توافر صفة طالب التنفيذ في مُباشرة دعوى التنفيذ وما يتبعها ويتفرع عنها كدعوى الحبس، حتَّى وإن كان طالب التنفيذ قد أحالَ حقوقه في الدعوى التنفيذية لطرف آخر، طالَما لم يُحِل الحق في مُباشرة إجراءات التنفيذ، وطالَما كان تاريخ تسجيل الدعوى التنفيذية سابقاً على تاريخ عقد حوالة الحق حتى وإن كان ذلك العقد “حوالة الحق” سابقاً على اتخاذ إجراءات دعوى الحبس إذ أن الأخيرة تظل مِن تَبِعات دعوى التنفيذ لكونها مُتفرِعة عنها ومرتبطة بها.


[1] تنص المادة 514 من قانون المرافعات المدنية والتجارية على أن: ” إذا امتنع المحكوم عليه عن تنفيذ الحكم النهائي الصادر ضده، جاز للمحكوم له طلب حبسه. ويرفع الطلب بتكليف المحكوم عليه الحضور أمام قاضي التنفيذ المختص بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى”. وتنص المادة 515 من القانون ذاته على أن: “يجوز لقاضي التنفيذ، إذا ثبت لديه أن المحكوم عليه قادر على الوفاء بما حكم به، وأمره بالوفاء فلم يمتثل، أن يأمر بحبسه. ولا يجوز أن تزيد مدة الحبس على ثلاثة أشهر. وإذا كان المدين شخصاً معنوياً خاصاً، صدر الأمر بحبس من يكون الامتناع راجعا إليه شخصياً”.

Share this news

Join our mailing list

Connect with us

© Copyright 2019 Sultan Al-Abdulla & Partners